عندما أدارت ظهرها…لـ رولا الحسين

Tuesday, March 17th, 2009 | قصص

ذلك المساء…

لم ادرك اني سأحمل وحشته أينما ذهبت وطيلة هذا الوقت وحتى هذا المساء…

كان الصوت الصادر عن المدفئة معلناً اشراف انبوبة الغاز على ان تفرغ كفيلاً بأن يشعرني بفزع البرد

… أنا التي آكل وأشرب وأنام وأدرس و أفكر قرب المدفئة.

وكان كتاب التاريخ الذي لا تتعدى صفحاته الثلاثين والذي ملً الجلوس في حرجي مفتوحاً على ذات الصفحة

 ومنذ ساعاتٍ دون أن أحفظ كلمة واحدة منه.

كنت أشعر بألم في معدتي، كان حينها ألماً جديداً علي. وكانت الدموع تنهمر على خدي بصمتٍ قاتل تزيد من

 الم معدتي المنكمشة…

 لم أستطع أن أحفظ الاسطر الاربعة من تاريخ صلاح الدين الايوبي.

وكانت مصيبتي الاكبر في تلك اللحظة ما يتوجب علي فعله حين اصل للصف الرابع متوسط حيث سأضطر

 لحفظ نصوص وصفحاتٍ والآف الكلمات من تاريخ كتابٍ آخر. كان همّي كبيراً في تلك الامسية.

وشعرت برعب حقيقيّ تجاه اخي الذي يصغرني والذي سيضطر بعد سنتين ان يحفظ هذه السّطور الاربعة.

 وقلقت على اختي التي تكبرني، لعلها تعاني ما تعانيه من تاريخها. واذكر اني حسدت ابي لانه غير مضطر

 لان يواجه الخطر الذي اواجهه.

كان مظلماً ذلك المساء، مثل كل مساء من تلك الحقبة في بيروت، والضوء الوحيد كان ضوء نار المدفئة التي

 لم تستطع ان تخمد بردي وقلقي حينها.

كان ممكنا لكل هذا الخوف أن يتلاشى في ذلك المساء. حتى بالرغم من عدم وجود اخوتي وأبي في المنزل.

 وكان ممكنا ألا اشعر بالبرد والوحشة لو لم تكن تدير لي ظهرها كما فعلت ذلك المساء.

كانت تنام كما تفعل كل مساء بعد نهار طويل متعب وبعد ان تقوم بكامل مهامها تجاهنا وبعد ان تحرص على

 تناولي وجبة الغذاء.

كانت تنام في نفس المكان وعلى نفس الكنبة وتدير وجهها الى الحائط وظهرها لي حيث اجلس على الارض

كل مساء قرب المدفئة ومع الكتاب.

ولكن ذلك المساء كان مختلفاً. كان عندي مهمة صعبة جداً.. مسألة وجودية علي حلها.. اربعة اسطر علي

 حفظها…  و آلام خوف وقلق على مستقبل قريب في معدتي…وهي تدير لي ظهرها.

كنت اعصر عيوني واخفض صوتي كي لا تستيقظ. وبنفس الوقت كنت احاول ان اقلب صفحات الكتاب

  بعنف علّها تستيقظ وترى حالي والمصيبة التي اواجهها.

كيف استطاعت ان تخونني وتنام؟ كيف لم يصلها هذا الذعر؟

لعلها لو لم تدر ظهرها لكانت رأت في عيني ذالك القلق. هي التي تقول اني لا استطيع ان اخفي عنها  شيئا لان عيني تفضحانني.

ليتها تدير لي وجهها وتبقى نائمة. انا متأكدة ان وجهها سيكسر هذه الوحشة وان انفاسها ستزيد من حرارة

 الغرفة…

كنت اراقب كل حركة تقوم بها وهي نائمة، لعلها حركة تبعد عنها النوم. لقد نامت طويلاً هذا المساء  ..

كان يجب ان تستيقظ.

ليت احدى الجارات تطرق بابنا لتشرب القهوة معها فتستيقظ على صوت قرع الباب.

ليت ابي يأتي الان فتقوم لتحضر له العشاء.

طويلا كان هذا المساء… اكثر من قدرتي على تحمّل وحشته.

 

لم اقل لها شيء حين استيقظت ذلك المساء.

ولم  تر الدموع في عيني ولم تشعر بخوفي وذعري، ولم تجد الكتاب في يدي.

 

كان يكفي ان تستيقظ …لتعود لي طمأنينتي.

كان يكفي ان تضع يدها عليّ…لأبقى فتاة صغيرة.

كان يكفي ان تكون حاضرة… لأحفظ التاريخ.

__________________________

-       كاتبة لبنانية مقيمة في دبي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Tags: , , ,

No comments yet.

Leave a comment

You must be logged in to post a comment.

Search