الجهل. . استعراض خاص على مسرح الآخر لـ دارين أحمد
Wednesday, April 8th, 2009 | خربشات, قصص
مرة أخرى، استيقظ ولم يعد بإمكانه النوم ثانية. الجثة الملقاة على السرير جثته و(النوم ابتكارٌ أكثر سوريالية من الموت).
أسند ظهره على الجدار ليتأمل نفسه في المرآة المُسندة على الجدار المقابل (لا مجال للتراجع… واليقظة استثناء الغافلين) تأمل في جملته السابقة دون أن يلاحظ الاستبدال الحاصل.
السخط الذي كان يعبر ملامح وجهه منذ قليل تحول تدريجياً إلى شكل مألوف من الشحوب. (إن شجاعة المضي إلى نهاية المسائل هي التي تصنع الفيلسوف) [1] قالها بصوت مرتفع وهو يؤكد على شبحية الباحثين عن المعرفة، مصنفاً نفسه بالضرورة بينهم، وتاركاً اسمه يتوضع في آخر القائمة تواضعاً كما كان يظن أو رغبة في كسب الوقت، من يدري؟!
جرته انحناءات اللحاف إلى مناطق مأهولة بأجساد شبه عارية لنساء رشيقات ذئبيات، ودون أن ينتبه إلى التشابه بين مشاهد الرقص في أغاني الراب الأميركي وبين نساء ذاكرته النشيطات تحول إلى رجلين:
الرجل رقم 1
_____________
(الوحدة استثناء يحققه العارفون فقط. بوابتها المشرعة أمام الجميع هي أكبر كذبة في العالم) إحدى عينيه بدأت تنزلق نحو مساحة من الأسى محفوظة بعناية في تسلسل زمني لرغبات لم تتحقق. في ذلك الجزء من اللحظة كان على استعداد لمهاجمة أية حكاية لا تروق له ولذلك لم يستطع أخذ الصور، التي بدأت تتراكب بسرعة ووقاحة في وحدته المفترضة، بروح الفكاهة، بل تجمع على نفسه كأي وحش محبوس في قفص، وأطلق شتيمة واحدة فقط.
كان لابد أن تخرج شتيمة جسدية من أحشاءه أيضاً ليحصل استبدال ثان بين هزء جسده من كل الاعتبارات المعرفية التي يهلس بها دماغه وبين توافق عرضي بين شعوره هو وشعور جسده (الوحدة هي أن تكون كُلّاً لا اختلاف فيه) لاحت ابتسامة “شفوية” على شفتيه فقد ظلتا مزمومتين وإن كانتا بين الحين والآخر تنصاعان عنوة إلى مناخ الرجل الثاني.
الرجل رقم 2
_______________
(The Woman) رددها عدة مرات بينما كان آل باتشينو [2] يسد كل الثغرات التي يمكن أن ينسرب منها أي جزء مهما كان بسيطاً من المرأة غير الموجودة أصلاً.
(أحب المؤخرات السمينة لنساء يعرفن كيف يمشين بخفة) وهكذا، ناسفاً رشاقة نساء الصورة الأولى تحسس فخذيه النحيلين الذين أخذا ينؤان تحت ثقل خيال لم يعد يحتمل جفاف صاحبه.
دائماً هناك امرأة تنصاع بسهولة لرجل يستيقظ وحيداً في الليل. هذه المرأة ستكون مليكة اللحظة بمجرد أن يكون أحدهما شديد التماسك؛ هي بشبقها الطافح من كل خلية في جسدها أو هو بقدرته على التقاط ذاك الشبق أو أقله بأكبر قدر من التركيز.
(المرأة لا تعرف غير الحب) كادت الابتسامة أن تستوطن شفتيه اللتين أصبحتا طريتين بعض الشيء لولا أن ذاكرته لم تسمح له بمثل هذا الانتهاك فألحقت جملته السابقة بتابعة أساسية كان قد توقف عندها زمناً فيما مضى (لقد مرت أحقاب طويلة على المرأة كانت فيها مستبدة أو مُستعبدة فهي لم تزل غير أهل للصداقة) [3] شعر بالإنهاك وأفلتت منه لحظة الفرح الممزوج باللعاب.
هنا، عاد ليندمج مرة ثانية في كلٍّ واحد هو “نفسه” كما يحب أن يسميها مستعيداً أن لا فائدة من تكرار المحاولة فـ(أيَّ شكل من أشكال الاستعاضة، هو شكل من أشكال الجهل) [4].
نهض وهو يفكر بالقهوة التي يحبها ثقيلة بإشارة مضمرة إلى الخفة التي يتعامل بها مع انتهاكات نومه المتكررة (الحياة سلسلة متكررة من التناقضات….). مرتدياً حذائه المطاطي بالمقلوب خطا خطوته الأولى باتجاه المطبخ.
______________________________
[1] – شوبنهاور
[2] الكلمة قالها آل باتشينو في فيلم (Heat) بطريقة مسرحية شديدة المبالغة.
[3] نيتشه والعبارة كاملة هي (لقد مرت أحقاب طويلة على المرأة كانت فيها مستبدة أو مستعبدة فهي لم تزل غير أهل للصداقة، فالمرأة لا تعرف غير الحب)
[4] كريشنا مورتي
______________________________
كاتبة من سورية
*****
خاص بأوكسجين
______________________________
ملاحظة: الجمل بين الأقواس هي مكونات أساسية في فراغ يحتمل إعطاءها الحق الكافي من التدخل في الحدث. أما بالنسبة للقارئ الأسهل فهي جمل طرأت على دماغ البطل خلال دقائق معدودة.