لون قيادي لـ نجوى بن شتوا ن

Wednesday, April 8th, 2009 | قصص

نجوى بن شتوا ن

نظرت بحدة للصف الطويل الذي تترأسه ثم هزت العصا بكلتا يديها قائلة لنا:

لتمسك كل واحدة الإبرة باليد اليسرى وتمسك طرف الخيط باليد اليمنى وتجعل مرفقيها ملتصقين بجنبيها كي يسهل إدخال الخيط بالإبرة.

 

مسكنا كلنا، نظرت بحدتها ثانية للصف بكامله ثم قالت:

هيا… لتشرع كل واحدة في إدخال خيطها بإبرتها دون كلام مع أحد، أي محاولة التفات أو كلام تعتبر غش ويعتبر امتحانها لاغياً. 

 

وضعت الإبرة التي امسكها قبالة عيني وبدأت أوجه الخيط باتجاه العين، أخطأت في المرة الأولى فلون الخيط كان من لون الإبرة وقد التبس عليَّ الأمر.

 

اختلست النظر للفتاة الواقفة عن يميني لأطمئن إن كانت تعاني نفس مشكلتي وهي عدم التمييز بين لون الخيط ولون الإبرة عند تماسهما بسبب انصهار هما في لون واحد.

 

حجبت عني أوداجها المنتفخة قراءة مافي عيناها، لكنها بدت غاضبة وعاضة على لسانها وقد اجتمع الدم في رأسها فاهتزت يمناها وتخطت مراراً يسراها.

 

لعقت رأس الخيط لعقتان لئلا ينحني أمام عين الإبرة، فالخيط من الخيوط الرقيقة التي تنشف الريق، وينشق رأسها قسمان بمجرد فشل كل محاولة للدخول.

 

المشرفة الجافة جفاف نسيم القبلي في الشتاء هزت عصاها رواحاً وذهاباً أمام الصف، ربما دار في خلدها البحث عن التفا ته أو إحباط محاولة ذكية للغش.

 

كنا مجرد أشخاص قرويي التفكير  في بحثنا عن فرص  توظيف مدينية في مجتمع رصاصي مهما تعددت ألوانه، نرتدي زياً رصاصياً يصعب على الناظر إيجاد السلك والخيط في خضمه رغبة بتوظيف مأمول بعد خوض الاختبارات المحايدة.

 

ناجيت إبرتي:-

لو نجحت سوف تنقذينني وعائلتي من الفقر، سأحصل على تعيين في مصنع غزل ونسيج،  وضمان اجتماعي متى أصبت بمرض أو إصابة عمل، فالقوانين هنا تضمن الحقوق كافة كما لا ترحم من الواجبات كافة.

 

لم تتأثر الإبرة التي امتحنت أشخاصاً كثر من قبلي لعنوها ومدحوها، نجح صف متعرج من الصف في إدخال الرصاصي بالرصاصي، بينما عُملت الفتيات الفاشلات بكلمات متعجرفة جافة، واهتزت عصا المشرفة كثيراً للنتيجة.

 

قالت المشرفة:-

لتضع كل واحدة الإبرة والخيط في صندوق العدة الموجود أمامي قبل المغادرة، ولتستعد الناجحات لامتحان الغد عن تدبيب سن الإبرة.

 

رسبت الفتاة السمينة ورأيتها تخرج غاضبة قانطة بل تناهى لسمعي كلمات رصاصية ندبت بها حظها.

 

*** 

 

جاء عامل التوصيلات إلى المنزل، انعكس ظل قبعته الرصاصية على وجهي، سلمني الطلب قائلاً لي:

الطلب سيدتي، لأربعة أشخاص كما أردتي.

 

أرانية من خلف الغطاء، سلطانية  مليئة بإبر جديدة مدخنة.

سألته :

لماذا عيونها فوق؟

أجاب:

لم تذكرِ في الطلب أنك ترغبين بإبر عيونها قرب أسنانها، لكني أؤكد لك أن طعمها طيب وتحتوى على نفس المنافع.

 

أومأت له موافقة وقبضته الثمن ثم أغلقت الباب مكلمة أولادي بأسمائهم، كانوا يلعبون كرة القدم في الصالون وقد أصابوا أباجورة موقوفة عن العمل وحاولوا إخفاء الكسر عني، ابتلعت إبرتان وقسمت الباقي على صحون الأولاد.

 

*** 

 

حصلت على تعيين بشهادتي التدريبية في مصنع لخياطة الملابس الداخلية وكان لذلك بالغ الأثر في حياتنا ومستقبل أولادنا.

 

كانت حركة المصانع مزدهرة لدرجة أن العمال ممن يعملون في هذه المصانع يشعرون بالامتنان للماكينات التي يلقمونها الإبر لكي تتم بنفسها حياكة قطعة داخلية هامة لعضو أهم ممن يمنحون أرواحهم لهذا البلد.

وهو لاشك رخاء عظيم غير مشهود في عصور سابقة.

كان زوجي يتذمر على الدوام من متاعب المهنة، خاصة حين يدخل الإبرة ذات العين السفلية في الماكينة يتطلب منه ذلك تركيزاً وتدقيقاً في العين التي تريه بالمناسبة صوراً في الجهة المقابلة لا يرتاح لها وتترك لديه انقباضاً يذكره بنفس درجة الانقباض التي عانها  حين كان طالباً في المدرسة الحربية. 

 

لم يعد زوجي يشعر بالانقباض…أقصد أي من الانقباضين بعدما أقالته الرآرآة من وظيفته وعينت سواه، إنه  في ربع الخطة الأبدية للتنمية يتقاضى مرتباً ضمانياً لا بأس به، بينما الآلة التي عمل معها مازالت تغزل وتنسج الألبسة الداخلية لأعضاء هامين في مهام أكثر أهمية.

إننا لا نشكو من قلة المال إنما من قلة الأعمال.

 

Tags: ,

No comments yet.

Leave a comment

You must be logged in to post a comment.

Search