يَا فَتْحُ عُودِي لـ عــــــدنان اٌلمـوســى
Monday, January 5th, 2009 | شعر, غزة تحت النار | No Comments
هَذَا أَوَانُ اٌلْحَسْمِ فِي ذِكْرَاكِ
أَوْ شَهْوَةً آنِيَّة ً تَغْفَاكِ
هَذَا أَسَاسٌ ثَابِتٌ فِي وَعْيِهِمْ
مَهْمَا تَدَاعَى بَعْضُ مَنْ أَشْقَاكِ
كُنْتِ اٌلرَّصَاصُ اٌلْأَوَّلِي يُرْضِي اٌلنَّدَى
مَا كُنْتِ وَهْناً ،بَلْ شّذَى أَفْلاَكِ
عُودِي لِخَط ِّ اٌلثَّوْرَةِ اٌلشَّمَّاءِ
زِيحِي عُرَاةَ اٌلْوَهْمِ ،مَنْ أَغْوَاكِ
هَذَا عَدُوٌّ حَاقِدٌ صَلْفُ اٌلْهَوَى
مَهْمَا تَنَازَلْتُمْ ،،فَلَنْ يَرْضَاكِ
أَلْيَوْمَ إِمَّا عَوْدَةً وَهَّاجَةً
إِمَّا اٌنْتِهَاءَ اٌلْوَهْجِ فِي أَحْشَاكِ
يَا حَامِلِينَ اٌلْفَتْحَ فِي أَوْدَاجِكُمْ
هُبُّوا عَلَى مَنْ قَزَّمُوا ذِكْرَاكِ
فَلْتَنْفُضُوا اٌلْأَوْسَاخَ مِمَّنْ حَرَّفُوا
بَرْنَامَجَ اٌلْفَتْحِ اٌلَّذِي قَوَّاكِ
مَا عَادَ وَقْتُ اٌلْإِنْتِظَارِ اٌلْمُجْدِيُ
يَا ضِفَّةَ اٌلْأَحْرَارِ مَنْ هَدَّاكِ
فَلْتَنْهَضِي يَا فَتْحُ فَوْراً لِلْوَغَى
عِيدِي اٌلرَّصَاصَ اٌلْآنَ لِلأَفْلاَكِ
يَا ضِفَّتِي هُبِّي لِتَلْقِي غَزَّتِي
فَاٌلنَّصْرُ مَكْتُوبٌ لَنَا ،بُشْرَاكِ
لاَ تَرْكُنِي لِلْمُرْتَمِي فِي ذِلَّةٍ
هَلْ هَانَتِ اٌلْفَتْحُ اٌلَّتِي تَرْضَاكِ؟!
هَيَّا اٌعْلِنِي طُوفَانَ شَعْبٍ كَامِلٍ
ثُورِي مَعَ اٌلْأَبْنَاءِ، لَنْ نَنْسَاكِ
يَا ضِفَّةَ اٌلشُّجْعَانِ هَذِي غَزَّة ٌ
أَلنَّصْرُ حَتْمِيُّ اٌلرُّؤَى يَنْخَاكِ
لَنْ يَرْحَمَ اٌلتَّارِيخُ مَنْ لاَ يَنْتَفِضْ
خَيْرُ اٌنْتِمَاءٍ لِلرَّصَاصِ اٌلحَاكِي
إِمَّا اٌنْطِلاقُ اٌلْيَوْمَ يُبْقِي فَتْحَكُمْ
أَوْ رَحْمَةُ اٌللهِ عَلَى ذِكْرَاكِ
لَكِنَّ بِي خَيْطٌ مِنَ اٌلْأَمَلِ اٌلَّذِي
يَدْعُونَنِي لِلْحَد ِّ مِنْ بَلْوَاكِ
شعر: عــــــدنان اٌلمـوســى
01 ك2 2009
“صمت من أجل غزة” لمحمود درويش
Monday, January 5th, 2009 | خواطر, غزة تحت النار | No Comments
خاصرتها بالألغام.. وتنفجر.. لا هو موت.. ولا هو انتحار
إنه أسلوب غـزة في إعلان جدارتها بالحياة
منذ أربع سنوات ولحم غـزة يتطاير شظايا قذائف
لا هو سحر ولا هو أعجوبة، إنه سلاح غـزة في الدفاع عن بقائها وفي استنزاف العدو
ومنذ أربع سنوات والعدو مبتهج بأحلامه.. مفتون بمغازلة الزمن.. إلا في غـزة
لأن غـزة بعيدة عن أقاربها ولصيقة بالأعداء.. لأن غـزة جزيرة كلما انفجرت وهي لا تكف عن الانفجار خدشت وجه العدو وكسرت أحلامه وصدته عن الرضا بالزمن.
لأن الزمن في غـزة شيء آخر.. لأن الزمن في غـزة ليس عنصرا محايدا إنه لا يدفع الناس إلى برودة التأمل. ولكنه يدفعهم إلى الانفجار والارتطام بالحقيقة. الزمن هناك لا يأخذ الأطفال من الطفولة إلى الشيخوخة ولكنه يجعلهم رجالا في أول لقاء مع العدو.. ليس الزمن في غـزة استرخاء ولكنه اقتحام الظهيرة المشتعلة.. لأن القيم في غـزة تختلف.. تختلف.. تختلف.. القيمة الوحيدة للإنسان المحتل هي مدى مقاومته للاحتلال هذه هي المنافسة الوحيدة هناك.
وغـزة أدمنت معرفة هذه القيمة النبيلة القاسية.. لم تتعلمها من الكتب ولا من الدورات الدراسية العاجلة ولا من أبواق الدعاية العالية الصوت ولا من الأناشيد. لقد تعلمتها بالتجربة وحدها وبالعمل الذي لا يكون إلا من أجل الإعلان والصورة.
إن غـزة لا تباهي بأسلحتها وثوريتها وميزانيتها إنها تقدم لحمها المر وتتصرف بإرادتها وتسكب دمها. وغزة لا تتقن الخطابة.. ليس لغزة حنجرة.. مسام جلدها هي التي تتكلم عرقا ودما وحرائق.
من هنا يكرهها العدو حتى القتل. ويخافها حتى الجريمة. ويسعى إلى إغراقها في البحر أو في الصحراء أو في الدم. من هنا يحبها أقاربها وأصدقاؤها على استحياء يصل إلى الغيرة والخوف أحيانا. لأن غزة هي الدرس الوحشي والنموذج المشرق للأعداء والأصدقاء على السواء.
ليست غزة أجمل المدن..
ليس شاطئها أشد زرقة من شؤاطئ المدن العربية
وليس برتقالها أجمل برتقال على حوض البحر الأبيض.
وليست غزة أغنى المدن..
وليست أرقى المدن وليست أكبر المدن. ولكنها تعادل تاريخ أمة. لأنها أشد قبحا في عيون الأعداء، وفقرا وبؤسا وشراسة. لأنها أشدنا قدرة على تعكير مزاج العدو وراحته، لأنها كابوسه، لأنها برتقال ملغوم، وأطفال بلا طفولة وشيوخ بلا شيخوخة، ونساء بلا رغبات، لأنها كذلك فهي أجملنا وأصفانا وأغنانا وأكثرنا جدارة بالحب.
نظلمها حين نبحث عن أشعارها فلا نشوهن جمال غزة، أجمل ما فيها أنها خالية من الشعر، في وقت حاولنا أن ننتصر فيه على العدو بالقصائد فصدقنا أنفسنا وابتهجنا حين رأينا العدو يتركنا نغني.. وتركناه ينتصر ثم جفننا القصائد عن شفاهنا، فرأينا العدو وقد أتم بناء المدن والحصون والشوارع.
ونظلم غزة حين نحولها إلى أسطورة لأننا سنكرهها حين نكتشف أنها ليست أكثر من مدينة فقيرة صغيرة تقاوم
وحين نتساءل: ما الذي جعلها أسطورة؟
سنحطم كل مرايانا ونبكي لو كانت فينا كرامة أو نلعنها لو رفضنا أن نثور على أنفسنا
ونظلم غزة لو مجدناها لأن الافتتان بها سيأخذنا إلى حد الانتظار، وغزة لا تجيء إلينا، غزة لا تحررنا، ليست لغزة خيول ولا طائرات ولا عصي سحرية ولا مكاتب في العواصم، إن غزة تحرر نفسها من صفاتنا ولغتنا ومن غزاتها في وقت واحد وحين نلتقي بها ذات حلم ربما لن تعرفنا، لأن غزة من مواليد النار ونحن من مواليد الانتظار والبكاء على الديار.
صحيح أن لغزة ظروفا خاصة وتقاليد ثورية خاصة ولكن سرها ليس لغزا: مقاومتها شعبية متلاحمة تعرف ماذا تريد (تريد طرد العدو من ثيابها)
وعلاقة المقاومة فيها بالجماهير هي علاقة الجلد بالعظم. وليست علاقة المدرس بالطلبة.
لم تتحول المقاومة في غزة إلى وظيفة ولم تتحول المقاومة في غزة إلى مؤسسة. لم تقبل وصاية أحد ولم تعلق مصيرها على توقيع أحد أو بصمة أحد. ولا يهمها كثيرا أن نعرف اسمها وصورتها وفصاحتها لم تصدق أنها مادة إعلامية، لم تتأهب لعدسات التصوير ولم تضع معجون الابتسام على وجهها.
لا هي تريد.. ولا نحن نريد.
من هنا تكون غزة تجارة خاسرة للسماسرة ومن هنا تكون كنزا معنوياً وأخلاقيا لا يقدر لكل العرب.
ومن جمال غزة أن أصواتنا لا تصل إليها لا شيء يشغلها، لا شيء يدير قبضتها عن وجه العدو، لأشكال الحكم في الدولة الفلسطينية التي سننشئها على الجانب الشرقي من القمر، أو على الجانب الغربي من المريخ حين يتم اكتشافه، إنها منكبة على الرفض.. الجوع والرفض والعطش والرفض والتشرد والرفض والتعذيب والرفض والحصار والرفض والموت والرفض.
قد ينتصر الأعداء على غزة (وقد ينتصر البحر الهائج على جزيرة قد يقطعون كل أشجارها)
قد يكسرون عظامها
قد يزرعون الدبابات في أحشاء أطفالها ونسائها وقد يرمونها في البحر أوالرمل أو الدم ولكنها
لن تكرر الأكاذيب ولن تقول للغزاة: نعم
وستستمر في الانفجار
لا هو موت ولا هو انتحار ولكنه أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة..
وستستمر في الانفجار
لا هو موت ولا هو انتحار ولكنه أسلوب غزة في إعلان جدارتها بالحياة..
لمن تزغرد البنادق؟ لـ زكريا النوايسة
Saturday, January 3rd, 2009 | غزة تحت النار, مقالات | No Comments
زكريا النوايسة
أللراكعين بلا صلاة،الخاشعين المتبتلين في معبد ( باراك ) الإله؟!
أم للدم من شقوق الوجع دافق؟
للراحلين فجرا يحملون دمهم دافئا يستفتحون به بوابات السماء.
لمن تغني وتزغرد السيوف والرماح والبنادق ؟
أنها لطفل أقسم يمينا ونذر لوجه الله أن يبرَّه
بأن يأتيه يحمل وسام الدم صبيحة غزة الأحمر
متوضأ ليلا بالتراب المعطر
وقابضا على جديلة أمه ويُقسم أن الفجر رغم العتم قد أشرقْ
فهاهو ينضو عن كتفيه طفولته البريئة
ويزرع في كفه الوردي عزم الرجولة
ويفتح باب غزة المشرع على الحرية
ليبتسم للشمس والسماء ولقطرات مطر أصرَّت أن تأتي بلا غيم ،فزمن طفل غزة لا يأتي إلا على الإستثناء، فلا فرق بين كركرة بريئة وزمجرة طائرة حربية .
وهو يصر إلا أن يسخر من زمن القذائف فيبصق على ( أباتشي) دول الحرية ويرمق وجه الشيطان بعيني صياد حاذق ، قطعا هو لم يصبها ولم تهوِ على الأرض كما يرغب ، ولكنه أسقط وجوههم المهترئة وهو في كل ما قال وما فعل هو وحده الصادق.
*****
أيها الدم ، أيها اللحم المنثور في حقولنا ، وسماؤنا كريمة بالمطر
فهل هو موسم حصاد الشهداء ؟
وهل سيثمر كرمنا غدا عنبا شهيا بطعم الشهادة ؟
آه ما أجملها من دقائق تشعر فيها أنك لست الى نقص بل الى زيادة
أه ما أعذبها من ليالٍ تحلم فيها أنك توشك أن تدق عنق الشيطان وتحرق زيفه وتطفئ نار زناده.
يا ليت لنا ليلة مثل ليالي غزة
يا ليت لنا صبيحة مضرجة بالدماء المُستفَزة
فقلوبنا قد رانَ عليها صدأ السنين المُترفة
فهل من فجر أحمر يغمسنا بماء العزة ؟ ليبعثنا من جديد بشرا يؤمنون أن الكرامة ضرورة ،وأن القدس ما زالت سيدة تنتحب على مذبح الموت( الشاروني ) الكريه.
يا طفل غزة حررنا من ضجيجنا ، وانقلنا الى زمانك المقدس وعلق في رقابنا تميمة النصر ، فنحن – يا سيدي – محضُ صوت لا يجيد إلا العزف على الحُنجرة.
*****
لِمنْ تُزغرد البنادق
لطفل غزة الذي باع َدمه لله فربح بيعه؟
أم للشيطان جاءنا يلبس وجه جالوت وبقبضة ( شمشونه ) يهوي على قلب غزة ؟
أم لشيطان ما زال يلبس لبوس كسرى وينفث في عيوننا سحره العلقمي اللعين؟
فيهتف الأطفال تُباً للشيطان ، ويتردد في الأرجاء الصدى تُباً للشيطان عاشت غزة ..عاشت غزة .
وينفجر شلال الدم فترتوي الأرض منه وتتعطر ، فينبت دحنون أحمر مطرزعليه أسماء الشهداء وصورا لأطفال يرفعون للنصر إشارة.
يا طفل غزة ، بعض بني قومي نام في حضن الشيطان ، فأهدى لمذبحه جبنه وهوانه ، وحديثه المنمق الزائف ، ولم ينسَ أن يهدي بعد ذلك قبلة للشمعدان.
وبعضهم -يا سيد هذا الزمان - سحب يده من يد أبي بكر وأدار ظهره لعمر ، وسعى يبحث عن النصر تحت عمامة سُلخت تحتها من قبل بغداد ، فهل يأتي النصر من يدٍ تنام على غدرٍ وتفيق على غدر؟.
يا طفل غزة ، تُباً للشيطانين ، فهما والغين في الدم المُسال ، وعيونهم الحمراء تبحث في الأرجاء عن طفل غزيّ نذر دمه للفداء، وعن سيدة أعلنت أنها ستُنجبُ ألف طفل دمهم لا يعرف الإنحناء.
فتُباً لهم وعاشتْ عاشتْ غزة.
غزة و التنّين لـ فارس البحرة
Friday, January 2nd, 2009 | غزة تحت النار, مقالات | No Comments
غزة و التنّين
العقلية الانهزامية
من وجهة نظر نفسية
بقلم:
فارس البحرة
كاتب و طبيب نفسي سوري
يقيم حالياً في برلين
في خضم المجزرة التي ترتكب الآن في غزة تتبادر للأذن اصوات ناشزة تعتبر ما يحدث أمراً جرّت نفسها إليه حماس و
كان بإمكانها ان تتجنبه. ولا نستغرب مثل هذا التفسير عندما يصدر عن جهات ذات مصلحة سياسية مرتبطة بالكيان الصهيوني كحال بعض الأنظمة العربية التي رفع عنها القلم، لكن ما يدعو للتأمل صدور مثل هذه الآراء العجائبية عن مواطنين عاديين ليس لهم حتى انتماءات سياسية محددة و لا ارتباطات بأية جهات حكومية. طبعاً لا بد من أخذ دور وسائل الإعلام الممولة من الأنظمة إياها بعين الاعتبار. لكن المسؤولية الجنائية عن دسّ مثل هذه السموم ليست محور اهتمام هذا المقال، و إنما السؤال: ما نقاط استناد مثل هذه الأجهزة الإعلامية في الوعي و اللاوعي العربيين حتى تلقى أذناً صاغية لدى البعض؟ ولا سيما أن أهم ما يسم المقولات المتداولة فيها هو انعدام التناسق الفكري و التضارب الساذج في سوق الحجج.
ما يجعل أصحاب هذا النوع من الآراء تياراً إجماعهم على ما يلي من نقاط:
كفى شعارات و خطابة عنترية لم توصلنا إلى شيء
قبل أن ننتقد إسرائيل علينا انتقاد الأنظمة العربية
الخطر الإيراني و الشيعي أهم من الخطر الإسرائيلي
نصرة الشعب الفلسطيني في غزة تعني دعم الأنظمة العربية الديكتاتورية و الأصولية الإسلامية
رغم أن هذه الموضوعات تفتقد للحد الأدنى من تماسك المنطق الصوري حتى، فإنها تتردد في العديد من مصادر الإعلام العربي، و الأنكى من ذلك، بين أفواه بعض المثفقين و أشباههم. لن أضيع وقتي ووقت القارئ في تفنيد هذه الحجج واحدة واحدة بالطريقة المدرسية، فالأمر لا يحتاج إلى أكثر من أداة استفهام بجوار كل منها، فلفظة لماذا كفيلة وحدها بتدمير التماسك الهش لهذه البنى المتداعية، و لكن لتدمير مزاج و قابلية الحوار لدى المتسائل البريء معها، فعادة ما يكون الجواب على هذه اللماذا و ابلاً من الاتهامات و الشتائم و الردح و الحرون.
و نظراً لركون البعض لمثل هذه المنظومة المتهافتة دون أن تكون لهم في ذلك مصلحة واضحة، ارتأيت محاولة اجتلاء العامل النفسي الذي يجعل هذه الأعراض _ إن جاز التعبير _ تشكل متلازمة _ إن جاز التعبير أيضاً_ شائعة إلى حد ما، ما يجعل الكثير من أجهزة الإعلام تصطفيها دون غيرها، وتكرر استخدامها، لمحاربة صحوة الشارع العربي التي تزداد راهنية يوماً بيوم.
الملاحظ أن احتقار الانسان العادي غير المثقف و اتهامه بالشعبوية و الغوغائية سمة جامعة لأصحاب هذا المذهب، على الرغم من أنهم من النادر أن يكونوا على مستوى يذكر من الثقافة، بمعنى آخر فإن هذا التيار يعطي أصحابه الوهم بأنهم نخبة، رغم تواضع مرجعياتهم العلمية و الأدبية غالباً. هم نخبة لأنهم ببساطة ضد الإجماع العام. هم نخبة عددية، أقرب للأقلية_ وسائل الإعلام التي تروج لمثل هذه الأفكار مولعة عادة بالتباكي على الأقليات_ و ليسوا بالنخبة النوعية نظراً لتهافت حججهم و ضحالة فكرهم.
و بالرغم من ادعائهم للعلمانية في كثير من الأحيان فإنهم يبدون مخاوف ليست لها أية مرجعية علمية، فالخوف من الخطر الإيراني _ الفارسي أو الصفوي كما يحبون تسميته _ عرضٌ كثير التكرار لديهم. ولما كان هذا الخطر بمقارنته بالجرائم المرتبطة بالصهيونية و المعروفة للقاصي و الداني ضرباً من ضروب الخيال، وجب البحث عن أسباب غير عقلانية لهذا الخوف، أسباب ربما نعثرعليها في الللاوعي الجمعي.
لما كانت إسرائيل قد قامت في سنة 1948 فقط، بتشريد أكثر من 800.000 فلسطيني و تدمير أكثر من 500 مدينة و قرية عربية و ارتكاب المجازر في 33 مدينة و قرية عربية، فإن ذلك يعيدنا لأن نشكك بالمسلمة المدوّنة أعلاه : لماذا الخطر الشيعي و الإيراني أكبر من الخطر الإسرائيلي؟ ولما كان التساؤل عن سبب مثل هذا الإدعاء سيؤدي غالباً إلى هياج يمكن رصده سريرياً لدى أصحاب هذا التيار، دون أن يدلوا بأجوبة واضحة، فإن ذلك يشرعن _ في رأيي_بحثنا في نطاق اللاوعي الجمعي، لانه يوحي بارتباط مذهبهم بمخاوف بدائية لا بمنظومة فكرية مقنعة، مخاوف طفولية تجاه الفرس و الشيعة و الأصوليين و الديكتاتوريين. و بينما يمكننا تحديد مرجعيات واقعية معقولة للخوف من العاملين الأخيرين، دون أن يعني ذلك التعبير عن منظومة فكرية ذات أبعاد و إنما مخاوف مفهومة فحسب، يبقى الخوف من الشيعة و الفرس أمراً لا يفسر خارج التراث الشعبي و المخاوف التقليدية المرتبطة بالفترة العثمانية على أقرب تقدير .
و هنا يطرح السؤال نفسه : لماذا يخشى هؤلاء الخوّافون إيران و لا يخشون إسرائيل؟ بالرغم من أن التراث و الاسلامي و المسيحي على السواء عامران بالمخاوف تجاه اليهود؟
هنا تطفو نقطة هامة جداً في رأيي على سطح اللاوعي الجمعي العربي، وهي الخوف و الرعب من إسرائيل.
لا يركز الانسان العربي على هذه النقطة و لا يعترف بها بسهولة.
إن تكن لأصحاب هذا التيار نقطة صائبة، فهي انتقادهم للعنتريات العربية، فالموقف العربي التقليدي هو إنكار الرعب الذي تزرعه إسرائيل في نفوسنا جميعاً و التغطية عليه بالتغني بالأمجاد و التظاهر بالقوة. لكن أصحاب التيار الذي نتناوله بالتحليل أكثر إنكاراً و أقل عقلانية حتى من هذه الخطابية العربية التقليدية التي ينتقدونها، فخطابهم لا ينكر الخوف فحسب بل التهديد الاسرئيلي للانسان و الاجتماع العربيين، هذا التهديد الصريح و الواضح والذي لا تتكتم إسرائيل عليه وإنما تجاهر به علناً.
فعملياً عندما يطلب أولئك الأشخاص أن لا نتكلم عن إسرائيل بل عن الأنظمة و الخطر الإيراني و الأصولي، هم مثل الطفل الذي يريد ليّ الحقائق التي تؤرّقه، فيطلب من أهله مثلاً أن يقولوا له أنهم لن يموتوا.
خوف أولئك الأشخاص البدائي من إسرائيل أقوى من أن يواجهوه، ربما تلعب في ذلك المخاوف الشعبية البدائية من اليهود دورها، لكن الأهم في رأيي هو الخوف الواقعي من الجريمة الإسرائيلية، الرعب الذي يعجز صاحبه عن التصريح لنفسه به فيستبدل به مخاوف مشابهة أقل رعباً، كالخوف من الفرس و الشيعة ، ثم مخاوف أكثر راهنية و قابلية للتصديق كالخوف من الأنظمة و الأصولية. هم بذلك كالطفل الذي يفضل أن يعيش خوفاً من الحيوانات المنزلية على أن يواجه خوفه من أبيه، أو تجده يحوّر هذا الخوف إلى خشية من وحوش و تنانين تشقّ الظلام و تثب عليه. و يستدعي مثال الخوف من الأب هنا قتل الأب بالمعنى الفرويدي و الذي من تمثلاته الرمزية معارضة ما هو عام في محاولة لإيجاد الشخصي و الخاص و المختلف، و معارضة الجماعة التي تمثل قيم الأب. لكننا نجد المعارضة هنا بشكلها المرضي لا بصيغتها المصعّدة الابداعية الخلّاقة. فهذه المعارضة لاتقوم بإيجاد صيغ جديدة تستوعب القديمة هضماً و تتجاوزها إلى آفاق أرحب، و إنما معارضة بسيطة بالقلب للضد، و الاستسلام المازوخي للمذمّة الجماعية، و تشفّ بالذات و بالرموز الأبوية التي تتهدد منزلتها الأخطار الخارجية، يعاوض عن ذلك مجرد الشعور بالتميز و الاختلاف من جهة، وتحقيق وظيفة الهروب من مواجهة الخطر الحقيقي المهدد والداهم من الجهة الأخرى.
كل ذلك دون مراعاة للمنطق و بانفجارات إنفعالية لدى أية محاولة للمراجعة العقلانية، مثلما هو الأمر عادة في الظواهر العصابية.
أتمنى ألا يمسخ كلامي، فيفهم على أنه دفاع عن أي نظام عربي أو مشروع أصولي شيعي كان أو غير شيعي، فإنما أهدف إلى تفكيك الروابط الواهنة أصلاً، و التي يتم طرحها كبديهيات، تحاول أن تجعل الصمود الفلسطيني مجرد تعبير عن مصالح هذه الأنظمة و المشاريع، و تغضّ النظر في الوقت نفسه عن واقع أن الكفاح الفلسطيني لم يبق له من سند خارج هذه المشاريع و الأنظمة.
مرّ الشعب الفلسطيني بظروف موضوعية جعلت للكفاح المسلّح المشروع في وجه الاحتلال الصهيوني في النهاية مخرجاُ يكاد يكون وحيدا،ً وهو أن يكون رديفاً للجهاد الإسلامي. من هذه الظروف انهيار المنظومة الاشتراكية و تراجع اليسار العالمي، و منها تخلي معظم الأنظمة العربية عن المقاومة وارتباطها بمعاهدات ذلّ امتد ظلها حتى على الشعب الفلسطيني نفسه. و أهم من هذا و ذاك المشروع الصهيوني بحد ذاته كمشروع لدولة عنصرية دينية ، استطاعت أن تفوز بألقاب اشترتها بالمال و النفوذ العالمي لليهود، الناتج عن انحدار كثير منهم عن أصول أوروبية، و ضلوعهم في الاقتصاد العالمي، و تغلغلهم في الماكنات الإعلامية و الأكاديمية الغربية، و استغلالهم لعقدة الذنب الأوروبية، و استخدامهم القانوني و الإعلامي لسلاح الاتهام بالعداء للسامية لدى أية محاولة لطرح المشروع الإسرائيلي في إطار البحث الموضوعي. فصارت إسرائيل تلقّب عنوة بالدولة الديمقراطية و العلمانية، و تعتبر أحد ممثلي ما يسمى بالعالم الحر، رغم أنها تمنع الفلسطينيين أصحاب الأرض من العيش في أوطانهم بسلام، و تنكر على اللاجئين حقّهم في العودة، في الحين الذي تحاول فيه جذب أي شخص تلوح عليه شبهة الأصل اليهودي فتوفر له كل تسهيلات الهجرة . كل ذلك التطرف الديني اليهودي المتدثر في عباءة العلمانية و الديمفراطية شكّل تحدياً غير متكافئ أمام الهوية الفلسطينية، و جعلها في النهاية تكاد تختزل بالهوية الدينية الإسلامية.
دون قراءة التاريخ و فهم مفارقاته و تخيّل الضغوط المختلفة التي عاناها الانسان الفلسطيني عموماً،و إبن غزة خصوصاً،ّمن تهجير ضمن الأرض المحتلة إلى إحتلال و حصار و تجويع و إرغام على الاعتراف بإسرائيل و تآمر للأنظمة العربية و نسف لشرعية الانتخابات الفلسطينية، يصعب علينا أن نفهم كيف حشر هذا الانسان حشراً لاختيار الجهاد الإسلامي مخرجاً وحيداً. و لكن مثل هذه القراءة و التفهم للانسان الفلسطيني تتطلب شعوراً عميقاً بمأساته و عيشاً مرهفاً لمصيره الدراماتيكي البطولي. يتطلب هذا الموقف من متخذه التماهي مع بشر يتعرضون لإبادة همجية منظمة تمارس ضدهم بكل دناءة و برودة قلب. لكن يبدو أن البعض يفضل الارتجاف في سريره خوفاُ من زحف مجوس إفتراضيين، على أن يواجه في خياله ما يواجهه البشر على الأرض حقاً.
فارس البحرة
كاتب و طبيب نفسي سوري
يقيم حالياً في برلين


















